هل تخرج اليونان من منطقة اليورو؟
أ.د. محمد إبراهيم السقا
أصبح العالم يحبس أنفاسه اليوم في انتظار نتيجة الانتخابات الوطنية المعادة في اليونان، والتي من المقرر أن تتم في 17 حزيران (يونيو) المقبل وما ستكشف عنه من نتائج. فقد فشل الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس في إقناع الأحزاب السياسية التي فازت في الانتخابات أوائل هذا الشهر بتشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب الرئيسة التي فازت في الانتخابات، مما دفع إلى إقرار إعادة الانتخابات مرة أخرى، وقد أصبح من الواضح أن الانتخابات اليونانية المقبلة لن تكون انتخابات سياسية بالدرجة الأولى، وإنما ستعد بمثابة اقتراع مباشر حول خيار استمرار اليونان في اليورو من عدمه، وأنه إذا حدث وفاز الحزب الراديكالي المعروف باسم ''سيريزا'' في الانتخابات فربما يعمل على دفع اليونان للخروج من اليورو.
هذا الأسبوع أيضا قامت وكالة فيتش للتنصيف الائتماني بتخفيض تصنيف اليونان إلى مستويات متدنية من B- إلى ccc كرد فعل للأحداث الحالية وتزايد ردة الفعل السياسية والشعبية ضد خطط التقشف المفروضة على اليونان بمقتضى خطط الإنقاذ الموضوعة من جانب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وأن هناك ميلا متزايدا من بعض القوى السياسية إلى رفض شروط اتفاق الإنقاذ الأخير مع صندوق النقد الدولي.
أدى تعقد أوضاع اليونان على هذا النحو السريع إلى دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن اليونان سوف تضطر إلى ترك منطقة اليورو لا محالة، وأن المسألة هي مجرد وقت قبل أن يتم فصل اليونان عن منطقة اليورو وإنهاء عضوية لم تكن تستحقها هذه الدولة في الواقع، على سبيل المثال فقد ألمح رئيس البنك المركزي الأوروبي لأول مرة بأن اليونان ربما تخرج من اليورو، مع تأكيده في ذات الوقت بأن البنك المركزي الأوروبي يفضل استمرار اليونان في المنطقة.
ولكن السؤال الحرج هو هل فعلا يمكن أن تخرج اليونان من منطقة اليورو؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة كما يتصور البعض، لأن خروج اليونان من اليورو، على عكس ما يعتقد بعض المراقبين، سيكون بمثابة كارثة للمنطقة وأيضا للأسواق. فمنذ وقت طويل يعتقد الكثير من المراقبين أنه من الأفضل لليونان الخروج من اليورو حتى يتخلص الاتحاد النقدي من الصداع الذي يعاني منه حاليا والمتمثل في عضوية هذه الدولة له، غير أنه لم يحاول أحد من هؤلاء أن يحسب لنا التكلفة التي ستترتب على هذا القرار.
مع تصاعد الحديث عن احتمال خروج اليونان من اليورو بدأت عمليات تقدير الخسائر التي يمكن أن تترتب على الخروج، وأصبحنا نقرأ اليوم عن التكلفة الكبيرة التي ستترتب على ذلك، وأصبح من الواضح أن هناك شبه إجماع حاليا على أن خروج اليونان من منطقة اليورو سيكون مكلفا للغاية لمنطقة اليورو وللعالم، على عكس ما كان يشاع مسبقا من أنه من الأفضل لليونان والاتحاد النقدي الأوروبي فصل اليونان، ذلك أن هذه المطالبات بخروج اليونان لم تكن قائمة على حسابات دقيقة لتكلفة الخروج، اليوم عندما لاحت في الأفق بوادر احتمالات الخروج بدأت التقديرات الحقيقية للتكلفة تظهر على السطح، بالطبع التكلفة الوحيدة التي يمكن تقديرها في صورة رقمية هي التكلفة الاقتصادية،وذلك استنادا إلى الآثار المتوقعة على النظام المالي والنمو، غير أن التكلفة الاجتماعية والسياسية للخروج لم تخضع بعد للحساب الدقيق حتى يمكن تقدير إجمالي التكلفة المتوقعة للخروج.
بعض التقديرات الأولية لتكلفة الخروج، كما تشير صحيفة ''الجارديان'' هذا الأسبوع، تضع خسارة منطقة اليورو بنحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يعادل نحو تريليون دولارا، بعض التقديرات الأخرى تقل عن هذا المبلغ نسبيا، بالطبع عندما نقارن بين تكلفة استبقاء اليونان داخل منطقة اليورو مع الخسارة الضخمة التي ستعود على المنطقة من خروج اليونان، فإنه من الواضح أن من الأفضل العمل على استبقاء اليونان وتحمل هذه التكلفة.
إن الوضع الحالي لليونان يذكرني بحالة إفلاس بنك ليمان براذرز في بداية الأزمة المالية العالمية 2008، وذلك عندما رفضت الحكومة الأمريكية مساعدة البنك بعدة مليارات من الدولارات وسمحت للبنك بالإفلاس، فكانت الخسارة الناجمة عن ذلك رهيبة، واضطرت الحكومة الأمريكية إلى تحمل تريليونات الدولارات لاستعادة مستويات النشاط الاقتصادي ومواجهة معدلات استثنائية للبطالة ليس فقط في أمريكا وإنما في أنحاء العالم كافة، وقد كان من الممكن توفير هذه التكاليف الضخمة، أو الجانب الأكبر منها، لو تم إنقاذ البنك بعدة مليارات من الدولارات، فهل يكرر الاتحاد الأوروبي الخطأ نفسه ويسمحون لليونان بأن تخرج من الاتحاد النقدي؟
من ناحية أخرى، فقد حذر الرئيس أوباما من أن أزمة اليونان يمكن أن تهدد التعافي الاقتصادي الهش للولايات المتحدة، بل إن بعض التقارير ذهبت أكثر من ذلك إلى الإشارة إلى أن الرئيس أوباما ذاته يخشى من أن تؤثر أزمة اليونان على فرص إعادة انتخابه نظرا للتعقيدات على المستوى الاقتصادي التي يمكن أن يمر بها الاقتصاد الأمريكي في هذه المرحلة الحرجة من الانتخابات الأمريكية إذا تعقدت أوضاع الاتحاد الأوروبي. على المستوى الرسمي، الولايات المتحدة قلقة جدا حاليا من تطورات الأوضاع في اليونان، وقد عاد الحديث مجددا في اللجنة الفيدرالية لعمليات السوق المفتوح عن احتمالات العودة مرة أخرى إلى التيسير الكمي واستمرار العمل بسياسة النقود الرخيصة وتثبيت معدلات الفائدة عند مستواها الصفري حتى 2014.
كذلك أعلنت كريستين لا جارد رئيسة صندوق النقد الدولي أن خروج اليونان من منطقة اليورو سيكون مكلفا للغاية، ليس فقط لليونان ولكن أيضا لصندوق النقد الدولي، الذي يعد حاليا خطط للتعامل مع تبعات خروج اليونان من منطقة اليورو. تكلفة الخروج من منطقة اليورو ليست إذن سهلة كما يتصور البعض، ذلك أن ترك منطقة اليورو سيهدد مستقبل العملة ذاتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى آثار ضخمة على النمو في المنطقة، وبالتأكيد في العالم أجمع.
في مقابل حالة عدم التأكد الحالية التي تسود اليونان، بدأ البعض يستذكر أحداث إفلاس الأرجنتين وكيف أن البنوك أغلقت أبوابها في وجه الجمهور الذي اضطر البعض منه إلى النوم في الشوارع أمام أبواب البنوك انتظار للحظة التي ستفتح فيها البنوك أبوابها ليتمكنوا من سحب ما يحتاجون إليه من سيولة، كما حدثت حالات هروب كبيرة لرأس المال إلى الخارج. هذا الأسبوع لم ينتظر الجمهور في اليونان حتى بدء الأزمة للقيام بسحب ما يحتاجون إليه من سيولة، وإنما حدث تهافت على البنوك اليونانية للسحب من المودعات، حيث تجاوزت المسحوبات مليار دولار. مع عمليات السحب الكبيرة هذه في ظل نظام مصرفي رسملته ضعيفة أصلا، فإن البنوك اليونانية تواجه وضعا صعبا للغاية، ووفقا لـ ''رويترز'' توقف البنك المركزي الأوروبي عن مد بعض البنوك اليونانية بخطوط الائتمان اللازم بسبب أن هذه البنوك لم تقم بالاحتفاظ برأس المال المناسب، ولقد أصبح من المطلوب الآن إعادة رسملة هذه البنوك كشرط لإعادة مدها بالائتمان، وهي عملية صعبة في الظروف الحالية.
باختصار شديد ليس هناك خيار أمام اليونان أو منطقة اليورو سوى بقاء اليونان في المنطقة مع محاولة دفع الأمور نحو الأمام وتحمل التكاليف التي يمكن أن تترتب على ذلك، والتي هي وفقا لأي سيناريو ستكون أقل بكثير من الخسائر المتوقع أن تتحملها أوروبا في حال خروج اليونان والانهيار المحتمل لليورو، وعلى ذلك إذا اختار الشعب اليوناني في الانتخابات القادمة الاستمرار في اليورو فسيكون لزاما على أوروبا وصندوق النقد الدولي انتهاج أسلوب مخالف لروشتة التقشف وتقديم مقترحات أكثر مناسبة لدفع معدلات النمو في اليونان وزيادة قدرتها على تنفيذ التزاماتها نحو دائنيها.